من الأمير عبد القادر إلى
أحمد باي ________________________________________
تـنـظيم المقـاومة
لقد كان لسقوط مدينة الجزائر أثر كبير مما حدا بالمواطنين إلى تفويض أمر
قيادتهم في المنطقة الغربية إلى أحد زعمائهم وهو شيخ زاوية القيطنة
التابعة للطريقة القادرية، وهو محي الدين بن مصطفى الهاشمي، وهذا بعد أن
قامت فرنسا بتعيين باي موال لها على وهران، ولقد تمكن الشيخ محي الدين من
مضايقة العدو في وهران، وهنا ظهرت قوة شخصية ابنه "عبد القادر" الذي بويع
أميرا بدلا من أبيه محي الدين الذي اعتذر عن قيادة المقاومة لكبر سنه،
وتمت المبايعة في 27 نوفمبر 1832م. فشرع الأمير عبد القادر في بعث الدولة
الجزائرية من جديد ولكن على أسس حديثة وعصرية ليقينه بأن تحرير البلاد
يتحقق تحت راية النظام المحكم فقط، فقسم دولته إلى ثماني مناطق إدارية على
أساس اللامركزية الإدارية، واضعا على رأس كل منطقة خليفة، يعملون جميعا من
أجل تحقيق الوحدة الوطنية والعدالة وفق الشريعة الإسلامية، أما الجيش فقد
كان متكونا من المتطوعين، ومن العناصر التي تلتزم القبائل والأعراش
بتقديمهم.
لقد أثبت الأمير عبد القادر رغم صغر سنه حنكة وكفاءة في تسيير الأمور
وقيادة المعارك مما مكنه من الانتصار في العديد من المواجهات التي دارت
بينه وبين قادة الجيش الفرنسي، اتبع الأمير في بداية مقاومته أسلوب الحرب
النظامية ذلك أن العدو كان يتمركز في المدن فعمل الأمير على تحريرها، بل
وأجبر السلطات الفرنسية في الجزائر على الاعتراف به في معاهدتين مختلفتين
وذلك عندما اعترفت له بحق تعيين ممثلين عنه لدى هذه السلطات، وذلك في
معاهدة دي ميشال في فيفري 1834م أولا. وفي معاهدة التافنا ثانيا. صورة
للأمير عبد القادر الجزائري رفقة سي الشريف بلحرش خليفة الأمير بمنطقة
الجلفة و أولاد نايل
تمكن الأمير من توسيع نفوذ دولته في العديد من مناطق الوسط، ووصلت قواته
إلى غاية مليانة والمدية ووادي سباو، ومن أبرز الانتصارات التي حققها
الأمير على القوات الفرنسية عندما كان ينتهج أسلوب الحرب النظامية ذلك
الذي حققه في المقطع بتاريخ 28 جوان 1835م.
وبعد تمكن القوات الفرنسية من تخريب عاصمة الأمير "معسكر"واحتلال تلمسان
غير الأمير أسلوبه في المقاومة إذ شرع في انتهاج أسلوب الحرب الخاطفة فحقق
انتصارات كثيرة من أبرزها معركة التافنا في رشقون يوم 25 أفريل 1836م،
وبمسعى من الجنرال بيجو وقع الأمير عبد القادر على معاهدة التافنا يوم 20
ماي 1837م والتي استطاع بفضلها توسيع قواعده في البلاد.
ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد وضخامة
المعارك التي خاضها الأمير عبد القادر بدأ الوهن يدب في صفوف القوات
الجزائرية بحيث لم يجد مفرا من وضع حد لمقاومته، يوم 23 ديسمبر 1847م.
وإلى جانب هذه المقاومة كانت هناك مقاومة أخرى متزامنة معها في الشرق
بقيادة الحاج أحمد باي قسنطينة الذي كان في مدينة الجزائر عندما دخل
الفرنسيون إلى سيدي فرج، وشارك في الدفاع إلى أن وصلت القوات الفرنسية إلى
منطقة الحراش، واقترح على الداي حسين خطة لمواجهة العدو وتتمثل في
الانسحاب إلى منطقة شرشال وترك القوات الغازية تنزل على الشواطئ وتبدأ
زحفها نحو العاصمة المحصنة ثم بعد ذلك تقوم القوات الجزائرية بالهجوم
عليها إلا أن الداي رفض هذه الخطة مما دفع بالباي أحمد إلى الانسحاب
ليستعد للمواجهة في الشرق .
معركة قسنطينة
ركز أحمد باي على تحصين أسوار مدينة قسنطينة الأمر الذي جعل القوات
الفرنسية تقوم بعملية تطويقه بإرسال حملتين إلى بجاية وعنابة، ولم تبدأ في
مواجهة الحاج أحمد باي مباشرة إلا في شتاء 1836م حيث تحركت القوات
الفرنسية نحو مدينة قسنطينة انطلاقا من مركز الذَرعان قرب عنابة ولقد عززت
هذه القوات بقوات من العاصمة لأحكام الطوق على الجيش الجزائري في مدينة
قسنطينة.
صورة للقائد حاج أحمد باي
قسم أحمد باي جيشه إلى قسمين أساسيين الأول يتكون من 2000 مقاتل معززين
بالمدافع الميدانية للدفاع عن المدينة تحت قيادة "قائد الدار بن عيسى"،
والقسم الثاني بقيادته الشخصية خرج لمقارعة العدو بين عنابة وقسنطينة،
وبفعل ذلك تمكن الجيش الجزائري من فصل مؤخرة الجيش الفرنسي عن بقية الجيش
الذي كان يتحرك نحو قالمة لجعلها كقاعدة لتنظيم الهجوم على قسنطينة.
وما إن بدأت المعركة أمام أسوار قسنطينة حتى صار الجيش الفرنسي في وضعية
جد سيئة وازداد الوضع سوءا بخروج قوات بن عيسى من المدينة الأمر الذي وضع
القوات الفرنسية بين فكي كماشة الفك الأول تشكله قوات أحمد باي والفك
الثاني تشكله قوات المهاجمين مع ابن عيسى ومدفعية المدينة الأمر الذي أدى
فشل هذه الحملة التي شرع إثرها الفرنسيون في الإعداد لحملة عسكرية ثانية
وبالفعل تمت هذه الحملة في شهر سبتمبر 1837م بمشاركة أكثر من ست جنرالات،
لعبت فيها المدفعية دورا هاما، إذ أدرك الفرنسيون أن الدخول إلى المدينة
لن يتحقق عن طريق استسلامها وذلك بإحداث ثغرات في أسوارها والتسلل منها
إلى الداخل، وبذلك سقطت مدينة قسنطينة بيد أن مقاومة أحمد باي لم تنته
بسقوط المدينة بل تواصلت إلى غاية سنة 1848م بعد أن توجه إلى منطقة
الأوراس، حيث ألقي عليه القبض واقـتيد إلى مدينة قسنطينة وسجن في قصره،
ونقل بعد ذلك إلى العاصمة حيث توفي أسيرا في أوت 1850م.
و تواصلت المقاومات الجزائرية للاحتلال الفرنسي إلى غاية الحرب العالمية
الأولى، إذ كانت آخرها تلك التي نشبت في الهقار عام 1917م، وهذا بعد أن
عرفت جهات مختلفة من الوطن العديد من المقاومات الشعبية التي تبرز لنا مدى
الرفض الجزائري للاستعمار الفرنسي وسياسته.
ساءت أحوال الشعب الجزائري كثيرا إبان فترة الاحتلال من جراء النهب المنظم
وإرهاقه بالضرائب الكثيرة والغرامات المالية المختلفة، وسلب أراضيه
الصالحة للزراعة، وطرده إلى المناطق القاحلة فصارت الجزائر تعيش مجاعة
دائمة بعدما كانت تعد من أكبر الدول إنتاجا للحبوب في حوض البحر الأبيض
المتوسط، ومن أخطر وأكبر هذه المجاعات تلك التي عاشها الشعب الجزائري في
الفترة ما بين 1866م-1869م. وحتى يزيد الاستعمار الفرنسي في تقييد واضطهاد
الجزائريين وتفكيك وحدتهم الاجتماعية والاقتصادية سن سلسلة من القوانين
التي تحقق له ذلك نذكر منها (المرسوم المشيخي- السيناتوس كونسولت) لسنة
1863م الذي يهدف إلى الاعتراف بالملكية الفردية للأراضي بالنسبة
للجزائريين وكذلك القانون الخاص بمنح الجنسية الفرنسية للجزائريين الصادر
في جويلية 1865م والذي ينص على اعتبار كل الجزائريين رعايا فرنسيين مع
احتفاظهم بأحوالهم الشخصية الإسلامية وعلى كل من يرغب في الحصول على
المواطنة الفرنسية أن يتخلى عن أحواله الشخصية الإسلامية ويصبح خاضعا
للقانون المدني الفرنسي. وكذلك هناك قانون الأهالي الصادر مباشرة بعد
إخماد ثورة المقراني سنة 1871م. وكذلك قانون التجنيد الإجباري الصادر سنة
1912م الهادف إلى إقحام الجزائريين في حروب وسياسة فرنسا الاستعمارية مما
دفع هذا بالعديد من الجزائريين إلى مغادرة وطنهم و الهجرة إلى الخارج