بسم الله الرحمن الرحيم



"1"



فى صباح يوم شتاء شديد البرودة ، الساعة السابعة والنصف يدخل فريق مستشارى
الرئيس إلى القصر الرئاسى المنيف ، يتوجهون سريعا صوب قاعة الاجتماعات
الفخمة .
كل عضو من أعضاء المجلس الإستشارى يجلس فى مكانه المحدد ، يضع أمامه ملفه
الخاص ، به أوراق ومستندات مهمة ، تحمل معلومات دقيقة ، سيعرضها على الرئيس
.
كالمعتاد يجلس الأعضاء معاً قبل بدء الاجتماع بمدة طويلة ، لابد من
الاستعداد النفسى ، إنهم يتهيأون لاستقبال الرئيس ، يرتبون أوراقهم ،
ينسقون فيما بينهم ، يؤكدون عما سيتحدثون فيه ، يحذرون من الخروج على النص
، وإلا...
خارج القاعة الجميع على أُهبة الاستعداد ، الإضاءة ، المقاعد ، التكييف ...
، ليكون هذا الاجتماع حسبما يرغب الرئيس ، وإلا سمعوا أو رأوا ما يخشونه ،
وأقله الطرد من قصر الرئيس بلا عودة ، وفى حالة غضب الرئيس يكون الطرد إلى
مكان مجهول ، ربما لاتُرى فيه الشمس ولا تطؤه قدم إنسان .
فى الموعد المحدد فى الساعة التاسعة صباحا ، يدخل الرئيس مكتبه منتشيا
فخورا كعادته ، تعلو وجهه ابتسامة ، الجميع فى انتظاره ، كل فى مكانه
المحدد ، كل قام بما هو مكلف به على وجه الدقة .
الهدف الوحيد من هذا الاجتماع هو مناقشة التعديل الوزارى المرتقب ، مستشارو
الرئيس سيقدمون له أسماء الوزراء المقترحين ولكل وزير أربعة بدلاء ، وأمام
كل اسم مختصر لسيرته الذاتية ، يختار الرئيس من يريد ويرفض من يريد ، دون
أن ينبس أحدهم ببنت شفة.
شرع كبير المستشارين فى عرض الأسماء الأساسية والاحتياطية لخمس وزارات ، لم
يرد الرئيس واحدا من المرشحين الأساسيين ، لمعرفته الجيدة بتلك الشخصيات ،
فقد تعامل معهم من قبل فى وزارات مختلفة.
ارتسمت على وجوههم ابتسامات عريضة ، لم يصدقوا أنهم انتهوا من اختيار خمسة
وزراء فى توقيت قياسى.
استأنفوا عرض الأسماء المقترحة ، عرضوا اسم الوزير المرشح الأساسى لوزارة
التربية والتعليم ، الذى ظنوا أن الرئيس سوف يوافق عليه ، دون أى مناقشة ،
إنه كنزعظيم تفخر أى دولة بأن يكون هذا الرجل من مواطنيها .
السيرة الذاتية لهذا الشخص مختلفة ، يمتلك مواهب فذة ، ذكروا اسمه ،
مؤهلاته ، خبراته، الرجل من أشهر العلماء عالميا فى مجال التربية والتعليم
، ترك أمريكا لأسباب خاصة - بعد أن قضى فيها ربع قرن - على الرغم من
النجاحات الهائلة التى حققها هناك ، لم يوافقوا على رحيله إلا بعد إصراره .
ذكروا تاريخ ميلاده ، محل إقامته الحالى ، محل الميلاد ، غاب عن مستشارى
الرئيس أن ذلك الشخص ينتمى إلى ذات المنطقة التى ينتمى لها الرئيس ، و كذلك
فإن سنة ميلاده هى سنة ميلاد الرئيس .
فجأة تغير وجه الرئيس ، شرد ذهنه لبرهة ، تغير وجهه ، بدت عليه علامات
الغضب الشديد، صرخ صرخة مدوية ، كأن سكينا اخترق صدره.
ما الأمر - سيادة الرئيس - ؟ (على استحياء سأل كبير المستشارين) .
لم يرد عليه الرئيس .
سيطر السكون على المكان ، لم يجرؤ أحدهم على أن ينطق بكلمة .
مرت بضع دقائق ، بصوت جهورى نطق الرئيس : احضرو لى هذا الشخص حيا أو ميتا
الساعة الثانية والنصف بعد متنصف هذه الليلة .
تركهم الرئيس دون أن يخبرهم بفض الاجتماع .




"2"



على صوت الرئيس المدوى هُرع إلى قاعة الاجتماعات كبار رجال القصر ، استدعوا
قادة الأجهزة الأمنية المختلفة ، أربع جهات أمنية شاركت فى وضع التقارير
الأمنية عن جميع المرشحين للوزارة ، أساسيين كانوا أم احتياطيين ، ومن هذه
التقارير قُدم للرئيس مختصر السيرة الذاتية لكل مرشح .
كل من له صلة بهذه التقارير أصابه الفزع والخوف ، مما قد يحدث له، نتيجة
هذه السقطة الكبرى ، تبادلوا الاتهامات ، كل يلوم الآخر ، كل ينفى تقصيره ،
بعد مدة زمنية ليست طويلة ، ذهبت آثار الصدمة ، اتفقوا على مناقشة الأمر
بموضوعية ، توصلوا بعد مناقشات طويلة إلى أن أحدهم لم يقصر ، أجمعوا على
أنهم سيتحملون المسئولية معا ، وليكن ما يكون .
الأمر فيه سر ، لايعرفه أحد من البشر إلا الرئيس ، ومع ذلك فسوف يتأكد كل
منهم من المعلومات التى وردت فى تقريره .
سريعا وبعد أقل من ساعتين ، اجتمعوا مرة أخرى ، أكدوا جميعا أن الشخص
المطلوب إحضاره حيا أو ميتا ، ليست له انتماءات دينية أو إيديولوجية أو
سياسية ،إلا أنه رجل حقق فى حياته نجاحات منقطعة النظير .
قال بعضهم لبعض : ربما تكون هذه النجاحات هى مشكلته الكبرى ، وعلينا أن
ننفذ الأوامر طاعة للرئيس ، أمروا قوات الأمن بإحضاره فورا.




"3"



بعد تناوله وجبة العشاء جلس الدكتور "أسعد" وسط أفراد أسرته ، فى الطابق
الثانى من الفيلا التى يمتلكها ، بأحد الأحياء الراقية وسط العاصمة ، أثناء
متابعتهم نشرة الأخبار ، علموا أن الإعلان عن التشكيل الوزارى الجديد
سيُعلن عنه خلال ثمانى وأربعين ساعة .
بصورة عفوية سأل الابن الأصغر: ماذا ستفعل يا أبى لو عرضوا عليك منصبا
وزاريا ؟ . لم يفكر الدكتور "أسعد" طويلا فى الرد .
أجاب : بالطبع سأرفض .
ولماذا يا أبى ؟( سأله ابنه مرة أخرى) .
أجاب الأب : يا بنى ...السياسة فى بلادنا شعارها " سمك - لبن - تمرهندى" ،
لو أصبحت وزيرا فسوف أكون بمثابة سكرتير للرئيس أنفذ أوامره ، حتى ولو غير
منطقية ، فى بلادنا المهم ارضاء الرئيس لا ارضاء الضمير.
بنبرة حزينة أكمل الأب حديثه قائلا : يا بنى... العالم من حولنا يتقدم ونحن
فى تقهقر ، أتعرف لماذا ؟ ، لأننا نعرف طريق التقدم ولا نسير فيه ، ونعرف
أننا نسير فى طريق الفشل ونصر على عدم التراجع .
فى بلادنا الرئيس يهدم كل ما قام به سلفه وكذلك الوزير ، ليست لنا سياسات
واضحة...
لم يكمل الرجل حواره مع ابنه ، فوجىء مع باقى أفراد الأسرة بمكبرات الصوت
تنادى : على الدكتور أسعد الحضور أمام باب منزله فورا ودون تأخير، وإلا
سنقتحم المكان ، خمس سيارات مصفحة محملة بالجنود المددجين بالسلاح ، بصحبة
العديد من قيادات أمنية ، تحيط بالفيلا من جميع الجهات ، دون أن يُغير
الرجل ملابسه خرج ، وهو لا يكاد يصدق ما يجرى.
اقتادوه بلا احترام أو تقدير لمكانته العلمية أو الأدبية ، دون النظر
لحالته الصحية أو لكبر سنه ، الرجل يكاد يصاب بالجنون ، لا يدرى ما السبب
فيما حدث ، ومهما حدث فهل هذه هى الطريقة اللائقة لاستدعائه لأى جهة ، لم
يخبره أحد عن السبب وراء هذا الهجوم التترى ، بل لم يحدثه أحد من الأصل .




"4"



فى إحدى الغرف الضيقة المظلمة ألقوا به، بعد أن غطوا عينيه بعصابة سوداء ،
تركوه لأكثر من ساعة ، أصابته قشعريرة ، الجو شديد البرودة كأنه يجلس عاريا
فى شارع من شوارع موسكو .
مازال الرجل مندهشا مما يحدث له ،عاش أكثر من ربع قرن فى أمريكا لم يرَ ما
يراه الآن ، تذكر ما كان يقرؤه عن وحشية التعذيب التى يلاقيها المعارضون
للنظام فى بلاده ، لكنه لم يشارك هؤلاء المعارضين ، لم يلتقِ بأحدهم ، لم
يراسل واحدا منهم ، ماذا جرى ؟ .
فجأة فُتح باب الغرفة ،سمع صوت خطوات تقترب منه شيئا فشيئا، فاذا بشخص يقف
أمامه، يوجه له الحديث قائلا : يادكتور نحن نأسف لما حدث لك ، وهذا الأمر
خارج عن إرادتنا ، إننا نعلم عنك كل صغيرة وكل كبيرة ، ونحن متأكدون من أنك
لا تعادى النظام ، ولست من المعارضين ، بل ولا تعتنق أية توجهات سياسية
مخالفة لنا .
رد عليه الدكتور " أسعد" بصوت خافت : إذاً أين هى المشكلة ؟ .
قال : لم تكن لك مشكلة مع أحد ، ولكن واضح أن لك مشكلةً مع سيادة الرئيس
نفسه ، نحن لا نعرفها ، ولم يخبرنا بها ، وهذا هو سبب المجىء بك ، فلتخبرنا
عنها .
تحدث الدكتور "أسعد" بصوت مرتعش : أنا ليس لى مشكلة مع أحد من البشر ، لا
مع الرئيس ولا مع غيره ، ولم تربطنى فى يوم من الأيام علاقة بشخص الرئيس ،
لا من قريب ولا من بعيد ، اللهم إلا أنه كان زميلا لى فى التعليم الأساسى ،
طفلان فى فصل واحد ، لمدة ثلاث سنوات ، قضيتها فى قريتى ، ثم انتقل أبى
بأسرتنا كلها إلى العاصمة ، ولم تعد لى علاقة بقريتى إلا فى المناسبات فقط
، ولم أعد أتذكر شيئا سوى أسماء التلامذة زملائى فى الفصل ، ومنها اسم
الرئيس خماسيا .
تنهد قليلا ثم استأنف حديثه ...
وعلمت كما علم الناس باسمه يوم تولى حكم البلاد ، ومرت الأيام والسنون ولم
ألتقِ به فى يوم من الأيام ، ولم أسعَ للقائه ، لم أتفاخر بزمالتى للرئيس
أمام أى شخص حتى أبنائى .
الشخص المجهول الذى يسمعه الدكتور "أسعد" ولا يراه هو الوحيد الذى تحدث معه
بأسلوب فيه شىء من الاحترام ، هذا الشخص فى نهاية حواره معه حاول أن يُهدئ
من روعه ويطيب خاطره ، أخبره بأنه سيقابل الرئيس بعد أقل من ساعة بملابسه
التى حضر بها ، وقد صارت رائحتها كريهة ، حذره من الخروج على النص.
إذا دخلت على الرئيس فلا تتكلم ، إلا إذا طلب منك الكلام أو سألك سؤالا ،
التزم بتوجيهات رجل الأمن المرافق لك ، ولا تضعنا وتضع نفسك فى مواقف محرجة
، ختم الرجل حديثه معه ، تركه وحيدا فى الغرفة وخرج .



"5"



اقترب الوقت من الساعة الثانية والنصف صباحا ، كان الدكتور " أسعد" قد
أُصيب بالإجهاد والتعب من كثرة وقسوة ما تعرض له من مواقف مهينة ، ساءت
حالته النفسية ، لم يُصب من قبل بمثل هذه الإهانات التى تعرض لها هذه
الليلة ، لم تنسه هذه المواقف اللاإنسانية القاسية التفكير فى أسرته ، إنه
قلق على زوجته وأولاده ، ماذا حدث لهم ؟، هل يُفعل معهم ما يُفعل معى الآن
؟ ، هل يتعرضون لمثل هذه المواقف المهينة كما أتعرض لها ؟ أسئلة ظلت تراوده
فى ذلك الوقت العصيب.
وجاء الموعد ، موعد لقاء الرئيس ، ولكنه لقاء مختلف ، الرئيس هو الذى طلبه
، وحده سيلتقى بالرئيس دون أن تُنصب الكاميرت لتصوير اللقاء ، حتى الملابس
ليتها غير لائقة وفقط ، لكنها ملابس رثة قذرة ، ليست من قيمة الرجل العالم
.
بعد أن رفعوا العصابة عن عينيه ، أدخلوه إلى غرفة واسعة ، إضاءة خافتة فى
مدخلها ، وفى آخرها يظهر من بعيد رجل يجلس على مقعد ، يمد رجليه على منضدة
صغيرة منتعلا حذاءً فخما ، الأضواء الشديدة مسلطة صوب الحذاء بصورة مركزة .
على الرغم من الارتباك الذى تملكه ، إلا أنه تذكر ماركة هذا الحذاء ، إنها
الماركة الأمريكية الشهيرة ، تذكر ثمنه ، الذى يقارب العشرين ألف دولار
أمريكى.
أدار عينيه بعيدا عن الحذاء ، ليرى منتعله ، تبين بكل وضوح ، إنه فخامة
الرئيس ، التقت عيناه بعينيه ، لجزء من الثانية ، نظر إليه الرئيس نظرة
استعلاء ، لم يعره اهتماما ، همت نفسه بالكلام ، يرغب فى أن يشكو للرئيس ما
حدث له من إهانات ، لكنه تذكر وصايا الرجل الذى تحدث معه ولم يره.
بعد أن تأكد أن الزائر قد رآه رأى العين ، أشار الرئيس بيده لرجل الأمن
المرافق للدكتور " أسعد" ، إشارة تفيد بأن أخرجوه فورا ودون تأخير ، لم تدم
تلك المقابلة سوى دقيقتين أو أقل.




"6"



فى تمام الساعة الثالثة إلا ربع فجرا ...ألقوا بالدكتور "أسعد" بعيدا عن
القصر الرئاسى ، بما يزيد عن مسافة ثلاثة كيلومترات .
وجد نفسه وحيدا ، فى مكان بارد موحش ، يكاد لا يرى شيئا ، المكان يكسوه
الظلام الدامس والصمت المرعب .
قال لنفسه : من الممكن أن أموت هنا ولا أحد يرانى أو يعرف بوجودى ، وليس
معى هويتى الشخصية .
أحس بالدوار، ثارت نفسه للقىء ، كاد يفقد توازنه ، حاول أن يلملم أشلاء
نفسه ، التفت يمينا والتفت يسارا ، عسى أن يجد سيارة تقله إلى بيته ، ليس
معه مال ، لا يوجد معه رفيق ، ملابسه التى لم يسمحوا له بتغييرها ، باتت
وكأنها ملابس شحاذ ، أو ملابس مجنون يسير هائما على وجهه فى الشوارع .
وقف فى عُرض الشارع أكثر من ساعة ، يعانى من قسوة البرد القارس ، من شدة
الخوف ، ثم جاءت سيارة ، اصطحبه قائدها معه ، بالطبع لم يعلم حكايته ، وإلا
ما أركبه سيارته.
كانت الأسرة فى انتظاره ، قلق ورعب و خوف ، أجروا اتصالات كثيرة بالعديد من
الأقارب والأصدقاء ، من ذوى المراكز المرموقة والمناصب الكبرى فى البلاد ،
غير أن جميعهم لم يردوا ، إلا واحد منهم أجاب على استحياء ، تحدث بصوت خفيض
مرتجف وقال : إن الموضوع أكبر منه ، ولا يستطيع أن يفعل شيئا ، وإلا أُطيح
به من منصبه ، وأُلقى به فى المكان المعتاد للمغضوب عليهم من النظام.




"7"



أمام باب الفيلا ، الزوجة والأولاد ينتظرون ، لم يناموا ليلتهم ، وكأنهم
كانوا يشاركون الأب مأساته ، التى عاشها وحده الليلة الفائتة ، ظلمة ما بعد
الفجر تودع الكون ، تلفظ أنفاسها الأخيرة ، بدأ ضوء النهار يتجلى ، يبدد
تلك الظلمة حتى يستطيع بقدر الله أن يمحوها ، فيرى الناس بعضهم بعضا .
لم يمر وقت طويل ، رأوا شبح رجل خمسينى يتجه صوبهم ، تدريجيا استطاعوا أن
يتعرفوا عليه ، إنه الدكتور" أسعد" ، هُرعوا جميعا إليه ، بمجرد أن وصلوا
إليه أُغمى عليه ، سريعا طلبوا له سيارة الإسعاف ، انطلقت به إلى المستشفى
،إلى غرفة العناية المركزة أدخلوه.
مرت ست ساعات طوال ، والرجل ما بين الحياة والموت - كما قال الأطباء عن
الحالة - ، تدريجيا تحسنت حالته ، اطمأنوا عليه ، نقلوه إلى إحدى غرف
المستشفى ، دخل عليه أفراد أسرته ، لم يكلمهم ، ولم يرد عليهم إلا بالإشارة
بيديه ، رغم قدرته على الكلام .
الموقف ليس موقف كلام ، ولكنه موقف تفكر وتدبر ، ماذا حدث لى ؟ ولماذا حدث
؟ ولماذا معى أنا بالذات ؟ ، ولماذا حدث ذلك الآن ولم يحدث من قبل ؟ ، وما
معنى قولهم : " إن مشكلتك مع الرئيس نفسه ؟ " ، وماذا فعلت أنا مع الرئيس ؟
ظلت هذه الأسئلة تدور فى رأس الدكتور "أسعد" بضع ساعات دون أن يجد لها
إجابات .
مازال يفكر ويعيد التفكير ، يتذكر ويعيد التذكر من جديد ، يتذكر أول يوم
رأى فيه شخص الرئيس وهو طفل صغير ، تلميذ فى المدرسة ، فى التعليم الأساسى
، ينقب عن المواقف التى ربما نتجت عنها مشكلة مع هذا الطفل الصغير ، ربما
اعتدى عليه بالضرب ، أو أصابه بسوء وهو غير متعمد .
مازال يعصر تفكيره ويجهد عقله ، أملا فى الوصول إلى موقف أغضب الطفل الصغير
الذى مرََّ أكثر من أربعين عاما ، ولم يذهب عنه غضبه .
أربعون عاما أو أكثر مدة زمنية طويلة جدا ، كيف يستطيع الإنسان أى إنسان ،
ولو كان عبقريا أن يُرجع الذاكرة إلى الوراء كل هذه المدة ، ليأتى بموقف
بين طفلين صغيرين .
فجأة نطق الرجل بصوت جهورى ، كاد يزلزل مبنى المستشفى : " يوريكا " كما صدع
بها " آرشميدس"- أى وجدتها - عندما توصل إلى قانون الطفو، ماذا وجدت يا
دكتور "أسعد" ؟ (سأله كل من حوله فى الغرفة ).
تحدث بهدوء وبصوت خفيض دون انفعال وقال : تذكرت ذلك الموقف الذى حدث بينى
وبين الرئيس وهو طفل صغير ، عدت إلى المدرسة بعد أن قضينا الإجازة بمناسبة
أحد الأعياد ، وأثناء وقوفى معه فى فناء المدرسة ، قلت له : انظر إلى حذائى
الجديد لقد اشتراه لى أبى بمبلغ كبير ، هذا الحذاء لا يلبس مثله أحد من
التلامذة فى المدرسة ، هذا ما قاله لى أبى ، عندها تمتم بعض الكلمات التى
لم أسمعها ، تركنى مبتعدا عنى ، وهو ينظر إلى حذائه القديم المهترىء ،
تركنى وأنا لا أفهم لماذا تركنى ؟ .
صمت الدكتور "أسعد" برهة ثم استأنف حديثه قائلا : الآن أتذكر أن الموقف لم
ينتهِ عند هذا الحد ، وإنما استمر حتى دخلنا الفصل ، فإذا به يشكونى إلى
المُدرسة أننى قد تفاخرت عليه بحذائى الجديد ، وأننى قد عايرته بحذائه
القديم المتهالك ، الأمر الذى لم يحدث ، نفيت للمدرسة مزاعمه أمام التلاميذ
، صدقتنى المدرسة وكذبته ، وسط ضحكات زملائنا ، ومن يومها ابتعد عنى ولم
يكلمنى مرة أخرى .
تمت